صديق الحسيني القنوجي البخاري
102
فتح البيان في مقاصد القرآن
تحتمل المشاركة ، والجنات الروحانية ، وحصولها لواحد لا يمنع من حصولها لآخرين فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ في الدنيا أي الجنة وهذا من تمام قول أهل الجنة ، وقيل هو من قول اللّه سبحانه . وَتَرَى يا محمد الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ أي محيطين ومحدقين قائمين بجميع ما عليهم من الحقوق مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتمجيد والتقديس ، وإدخال مِنْ يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا اللّه لا يملؤون حوله ، وهذا أولى من قول البيضاوي : إن ( من ) مزيدة ، وبه قال الأخفش : أو للابتداء أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء اللّه . والمعنى أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك اليوم ، والحافين جمع حاف قاله الأخفش ، وهو المحدق بالشيء من حففت بالشيء إذا أحطت به ، وهو مأخوذ من الحفاف وهو الجانب ، وقال الفراء وتبعه الزمخشري لا واحد له من لفظه إذ لا يقع لهم هذا الاسم إلا مجتمعين . يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي حال كونهم مسبحين للّه متلبسين بحمده أي يقولون سبحان اللّه وبحمده وقيل معنى يسبحون يصلون حول العرش شكرا لربهم ، وهذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد ، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح ، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى ، اللهم ارزقنا . وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين جميع العباد والخلائق بِالْحَقِّ أي بالعدل بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار ، وقيل بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء ، وبين أممهم ، وقيل بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم والأول أولى . وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ القائلون هم المؤمنون ، حمدوا اللّه على قضائه بينهم وبين أهل النار بالحق كما قال : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] ، وقيل القائلون هم الملائكة حمدوا اللّه تعالى على عدله في الحكم وقضائه بين عباده بالحق ، وبدأ سبحانه هذه الآية بالحمد ، وختمها بالحمد ، للتنبيه على تحميده في بداية كل أمر ونهايته ، والحمد الأول على صدق الوعد وإيراث الجنة ، وهذا على القضاء بالحق ، فلا تكرار فيه ، وروي من حديث ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ على المنبر آخر الزمر فتحرك المنبر مرتين .